تلك المرأة الوردة

يحيى يخلف

في الصباح انتظرتها. كنت أحمل لها خبراً ساراً. جلست على حجر في الطريق أنتظر بلهفة. جاءت بعد طول انتظار وصافحتني. أحسست أنني أمسك بعصفور يتنفس في يدي: - لماذا تجلس هنا؟ قلت لها: كنت أنتظرك.. أريد أن أقول لك خبراً ساراً.
كنا قد اشتغلنا معاً في ذلك الصيف الشاسع، الطويل، ذي الأظافر الذي ينتمي إلى فئة الصقور الجارحة. اشتغلنا معا، في المعمل الذي ينتج راحة الحلقوم. كنت طفلاً مهاناً، وعينان صامتتان. ويغيب شعرها دائماً وراء منديل أحمر يضيء وجهها، ويتفّح خدّيها. وفي المعمل الذي كنا نشتغل فيه، كان المعمل أمام الفرن فوق طاقتنا ولا يقوى عليه في ذلك الصيف الذي له مذاق الفلفل الحار، إلا الذين تخرجوا من دروة الكمال الجسماني في مركز الشباب بالمخيم. لذلك فإن النحفاء من أمثالي، الذين لا يأكلون سوى الباذنجان المطبوخ بالبندورة، لا يستطيعون أن يصمدوا أكثر من ساعات.. يسقطون بعدها مغمى عليهم، ثم لا يعودون إلى العمل.

في ذلك الصيف القاسي، رغم الفظاظة والقسوة خفق قلبي برهافة مثل جناح زغلول يشرع في الطيران لأول مرة. وصار ذلك الفتى الصغير المتزمل في ثيابي يمشي جنباً إلى جنب مع انتصار –
تلك المرأة الوردة – التي تكبره بسنوات حتى نهاية الشارع حيث تتشعب الطريق، وفي الليل تسقط في قلبه ورود الحنون وتنطلق من صدره عصافير البراري.

وعندما أدار أحدهم ذات مرة على ثيابي شيئاً من السكر المطحون الذي يضعونه في علب الراحة، هجمت انتصار وأخذت تلحس ثيابي، فهجمت وطوقتها بعفوية، وأخذت ألحس ما علق بثيابها. كان هناك فراح، وكنا مثل الأطفال العراة الذين يستحمون في بركة ماء. وفي الصباح انتظرتها إذن. كنت أحمل لها خبراً ساراً. جاءت بعد طول انتظار. أقبلت وهي تقضم تفاحة:
سألت باهتمام: ما هو الخبر السار؟
أجبتها: سيقام في بيتنا عرس.
- عرس من؟
- واحدة من قريبات أمي. حفلة عرسها ستكون في بيتنا.
فانتشر في وجهها الفرح.
في اليوم نفسه سرت الشائعات أن الرجل الثور (صاحب المعمل الذي نشتغل فيه) قد مات. الموت جعل وجه انتصار يعبس. خففت عنها وقلت لها أن ذلك مجرد إشاعة،ثم بدأت أحكي من جديد عن حفلة العرس التي ستقام في منزلنا، وأحكي لها عن شراب الزبيب والماورد واليموناضة.
وقد دارت مثل مهرة نزقة عدة دورات ثم عادت وسألتني: كيف يمكن للمرء أن يستدلّ على بيتكم.
جاءت إلى العرس، يرافقها رجلٌ مسنّ على رأسه طاقية (بيريه) زرقاء. كانت تلبس ثوباً أحمر وتضع على كتفيها شالاً من الصوف، وتصبغ شفتيها بالأحمر، وتبدو مهيأة للسهر والفرح.

وفي حلبة الرقص كان بعض البنات يرقصن. واحدة رفيعة. والثانية حامل في الشهور الأولى، والثالثة صفراء الوجه وذابلة.
وكانت المرأة السمينة تنقر بأصابعها إيقاعاً شيطانياً صاخباً. وظلت انتصار في حلبة الرقص وحيدة. كنت أحدّق بها غير مصدّق. وأنتقل إلى الوجوه الأخرى كيف تنظر إلى قمري ووردتي.
إلا أن ذلك كله لم يطل. إذ أن واحدة من النساء اتهمت انتصار بسرقة أساورها، فارتسم على وجهها الحزن والإنكسار. وخرجت من بيتنا مطرودة.
وازداد الأمر تعقيداً عندما عاد صاحب المعمل فجأة. جاء ليأخذ بثأره منا. عند ذلك انفجرت الوردة.. ثم واصلت الانفجار.

كنت ذلك الفتى الصغير الذي يمشي من أكواخ التنك صباح كل يوم إلى المدينة، فتنصبّ أشعة الشمس الحارقة على قرعته، ويقع في كل عام طريح الفراش بسبب سوء التغذية وفقر الدم.
كنت ذلك الفتى الصغير. الفج. الذي يلبس صندلاً في الصيف والشتاء، ولا يخرج في الأعياد إلى المراجيح لأن ثيابه مرقعة.
كنت ذلك الذي يقف منكّس الرأس الذي لا يستسيغ حبوب زيت السمك في عيادة الدكتور دهمش. الذي يبيع الجرائد عند الكراج الموحد. أو أكواز الذرة المسلوقة عند أبواب السينما.
اشتغلت في ذلك الصيف الشاسع الطويل. أعني اشتغلنا معاً في ذلك الصيف الشاسع الطويل ذي الأظافر الذي ينتمي إلى فئة الصقور الجارحة. اشتغلنا معاً. في المعمل الذي ينتج راحة الحلقوم. كنت طفلاً. وكانت امرأة. صبية. لها وجه رائق وعينان صامتتان ويغيب شعرها دائماً وراء منديل.. اسمها انتصار – ليمتلأ قلبها بالفرح أينما كانت الآن تلك المرأة الوردة-.

اشتغلنا في ذلك الصيف ذي القرون القاسية في معمل ينتج راحة الحلقوم. المعمل من الطراز القديم. ينتج تلك الحلوى بالطرق البدائية. وكان علينا أن نعبّئ قطع الراحة الصغيرة ذات الرائحة العطرة والمذاق الحلو في علب الكرتون ذات الأحجام المختلفة، ثم نرش فوقها مسحوق السكر.

مدير المعمل كان يجلس قبالتنا فوق مكان مرتفع. يراقب سير العمل. يمنعنا من التحدث مع زملائنا. كانوا في الغالب من أبناء المخيم الذين يشتغلون في العطلة الصيفية إلى أن يحين موعد المدارس. هناك بعض النساء المسنات. ولكن لا يوجد سوى صبية واحدة. ما أكثر الممنوعات. ممنوع أن تتكلم مع جارك. ممنوع أن تذهب لتبول أكثر من مرة في النهار، ممنوع أن تلوك شيئاً في فمك. ممنوع أن تدسّ واحدة من قطع الحلوى، تلك القطع اللذيذة ذات الملمس الطري ورائحة ماء الزهر التي تنبعث منها كلما شممتها. ممنوع أن تدس واحدة في جيبك لتأكلها في وقت مات، أو لتدسّها في فم أخيك الأصغر.
مدير المعمل يظل جالساً مكانه. يأتيه الشاي. يأتيه الأكل. تأتيه النرجيلة، يأتيه ماسح الأحذية. يأتيه البطيخ والعنب. يأتيه باعة الجملة. يأتيه باعة المفرق. يكتب وصولات. يستلم نقوداً. يسجل كمبيلات.

مدير المعمل لا يغيب. يأتي إلى تلك الدكة الخشبية العالية قبلنا. ينصرف بعدنا. يعدّنا واحداً واحداً. يخصم يومية من يتأخر. يطرد من يتأخر أكثر من يومين. يتراكم على أبوابه أولاد المخيم الذين ينتظرون فرصة العمل. يفتشنا بنظراته، وذلك الذي يرتجف أو يصفر وجهه يتعرّض إلى تفتيش، فإذا وجد قطعة حلوى في ثيابه يصفعه، ويخصم يوميته، وينقله من تعبئة العلب إلى العمل أمام الفرن الذي فيه تصنع المعجنات. العمل أمام الفرن لا يقوى عليه في ذلك الصيف الذي له مذاق الفلفل الأحمر، إلاّ الذين تخرجوا من دورة الكمال الجسماني. لذلك فإن النحفاء من أمثالي، الذين لا يأكلون سوى الباذنجان المطبوخ بالبندورة، لا يستطيعون أن يصمدوا أكثر من ساعات، يسقطون بعدها مغمى عليهم ثم لا يعودون ...
في هذا المعمل الذي يطفح بالقسوة، خفق قلبي برهافة مثل جناح زغلول يشرع في الطيران لأول مرة.

ذات يوم تغذّينا معاً في فترة الظهيرة. وضعت زوّادتها على زوّادتي. كنّا نعمل جنباً إلى جنب. وعندما حانت فرصة الغداء، جلست في الركن حاملاً زوادتي، فجاءت تحمل زوّادتها... بيض مسلوق وبصل وعلبة سردين وصرّة ملح وأقراص فلافل ناشفة. أكلنا وشربنا الماء. وتسنّى لنا أن نحكي شيئاً عن آلام الظهر التي نعاني منها بسبب انكبابنا طوال النهار على تعبئة علب الراحة. وتسنّى لنا أيضاً أن نحكي شيئاً أو بعض شيء عن ذلك الرجل الثور الذي لا يتركنا نعود إلى بيوتنا إلا بعد أن تعتم الدنيا، ويمشي الوجع في بطّات أرجلنا. ولا تدوم هذه اللحظات كثيراً، فيعلن حارس المعمل عن انتهاء فرصة الغداء واستئناف العمل. فنعود إلى لتعبئة علب الحلوى، نحكي دون أن ننظر إلى بعضنا البعض. وبين ساعة وأخرى ننظر عبر النافذة إلى ظل الشمس المائلة إلى الغروب.. وننتظر بلهفة لحظة الانصراف.

بعد ذلك الغداء سار الفتى الصغير المتزمل في ثيابي جنباً إلى جنب مع تلك المرأة الوردة التي تكبره بسنوات حتى نهاية الشارع، حيث تتشعب الطريق، وفي الليل تستيقظ في قلب ذلك الطفل ورود الحنون، وتنطلق من صدره العصافير.

ذات مرة غاب ذلك الرجل الثور الذي يجلس على مكان مرتفع ويراقبنا. تأخر عن الحضور على غير عادته. ظل كرسيه فارغاً مثل فم مفتوح يوحي بالدهشة.
جاء الحارس وقال لنا: هيا اشتغلوا. لم يكن أحد يأبه للحارس أو يخاف منه، فقد ذابت شخصيته منذ زمن أمام شخصية الرجل الثور. لذلك فقد بدأنا نشتغل ببطء وبلا حماس.

ثم وقف صابر ذلك الشاب الوسيم الذي يعمل معنا في تعبئة الحلوى، ورفع صوته عالياً بالغناء. حدثت دهشة في البداية، كأنما صوته قطعة زجاج سقطت من علٍ وسط دائرة القمع. وبعد حين كان الغناء عذباً. ثم صار الغناء جماعياً.. ثم انفرط العقد. أكلنا قطع الراحة وبدون خوف. ثم قفزنا فوق الأكياس، وعندما أدار أحدهم على ثيابي شيئاً من السكر المطحون، هجمت انتصار وأخذت تلحس ما علق من سكر فوق ثيابي.
ثم إن الشخص نفسه أدار على ثيابها المزيد من السكر المطحون، فهجمت وطوقتها بعفوية وأخذت ألحس ما علق بثيابها. كان هناك فرح وكنا مثل الأطفال العراة الذين يستحمون في بركة ماء. لهونا ولهونا وأكلنا مبكراً. وانصرفنا قبل أن يقول لنا، انصرفوا.
وعند نهاية الشارع عند تفرع الطريق صافحتني لأول مرة. وعند ذلك كان يتعين عليّ أن أقف على أصابعي لكي أبدو قريباً من قامتها الفارعة.

في الصباح التالي انتظرتها.
كنت أحمل لها خبراً ساراً.
جلست على حجر في الطريق أنتظر بلهفة.
جاءت بعد طول انتظار. أقبلت وهي تقضم تفاحة. مدت يدها وصافحتني أحسست أنني أمسك بعصفور يتنفّس في يدي.
- لماذا تجلس هنا.
قلت لها: كنت أنتظرك... أريد أن أقول لك خبراً ساراً.
سألت باهتمام:- ماذا.
أجبتها: سيحدث في بيتنا عرس.
- عرس من؟
سألت برشاقة، وبرشاقة كانت تمشي.
- واحدة من قريبات أمي.حفلة عرسها ستكون في بيتنا.
- وهل يكون هناك عرس وغناء وطبلة ورقص.
هززت رأسي، فانتشر الفرح في وجهها.
- هل العروس جميلة؟ - هل لها في فمها سنّ ذهبية؟ - هل اشترت أساور وخواتم؟ - هل اشترت فستاناً أبيض؟ هل اشترت أدوات للزينة؟ هل اشترت دبوساً لشعرها؟ هل ستسكن لوحدها أم ستسكن مع أهل زوجها؟
ظلّت تسأل طوال الطريق. وكنت أجد أجوبة. أتخيّل وروداً تتفتّح، وحقولاً تمرح فيها السنابل، وعشرات الخيول البرية تركض في الخلاء، وقمراً نظيفاً يهبط من مكانه ويمشي على قدمين.
وأتخيّل أجراس زهر الرمان الحمراء تنبت في شعر الصبايا، ويصبغ التوت شفاههن بلون قرمزي.
كانت تسأل، وكنت أفرح وأفرح.
ولليوم الثاني كان الرجل الثور يغيب عن مكانه.
كان رفاقنا في المعمل يجلسون في حلقات، وقد انضم إليهم أولئك الذين كانوا يشغّلون الفرن ويعملون في طبخ المعجنات. لم يدر أحد ماذا حدث. الحارس الذي ينام في المعمل يفتح الباب ويغلق الباب ولا يعرف شيئاً.
سرت شائعات أن الرجل الثور قد مات.
كلمة الموت جعلت وجه انتصار يعبس، فقال صابر الفتى الوسيم الذي يملك صوتاً أحلى من مسحوق السكر.
- اذا كان قد مات، فليأت من يدفع لنا حقوقنا.
جلسنا في ركن بين الأكياس، وتركنا الرجال الكبار يتناقشون.
وبدأت أحكي من جديد، وأبالغ في وصف حفلة العرس التي ستقام في منزلنا، وأحكي عن شراب الزبيب والماورد والليموناضة، وعن حلوى الملبّس على لوز والحامض حلو والكعكبان.
ثم قلت لها: هل ستحضرين.
عبست .ثم نظرت إلى ثيابها وإلى يديها.
ازدادت عبوساً كأنما أفزعتها تلك الفكرة أكثر مما أفزعها الموت. وفجأة وقفت، مثل مهرة نزقة، وتركتني وذهبت هناك.. حيث الكبار يتناقشون ويحكون عن حقوقهم.
كان صابر قد شقّ كيس من السكر، وأخذ يملأ حفنتيه ويديرهما في قراطيس من ورق، ويوزع على العمال ويهتف:
- اشربوا هذه الليلة شاياً محلّى بالسكر.. اصنعوا لأولادكم عصيدة بمعقود القطر.
وقد دارت المهرة النزقة عدة دورات ثم عادت وسألتني: كيف يمكن للمرء أن يستدلّ على بيتكم.
بدأت أصف لها الطريق، وكانت ساهمة كأنما تنظر لنفسها في مرآة وتسوّي شعرها.

فتحت أمي الخزانة، وأعطتني القميص الأبيض والبنطلون الكحلي الطويل. كانت منذ الصباح الباكر قد كنست الغرفتين الملاصقتين، وكنست حوش الدار، وسقت شجرة العطرة وأحواض النعنع. وأخرجت من الصندوق العتيق (صندوق عرسها) الشراشف وأغطية المساند والطاولة، وهي أشياء عزيزة تحافظ عليها ولا تخرجها إلا في الأعياد. ومسحت أمي زجاج النوافذ. وأعدت عشاء يتكون من الرز واللحم المسلوق احتفاء بالعروس وأمها اللتين تمتّان بصلة ما إليها.

وبعد العصر بدأت الزغاريد، وبدأت العروس في إحدى الغرفتين تغيّر ملابسها، كما بدأت البنات الحيّ بصلن وقد لبسن أفضل ما لديهنّ من ثياب.
كانت مهمّتي هي الوقوف أمام حوش الدار لمنع الأولاد من الدخول والإندساس بين النسوة.
أخذت المرأة السمينة (من الحارة التحتا) تنقر على الطبلة بإيقاع عال معلنة بدء الغناء والرقص والزغاريد.
وأطار ذلك صواب الأطفال الذين كنت أمنعهم من الدخول، فتسلّقوا الحائط. تسلّقوا أكتاف بعضهم البعض، تسلّقوا حبال الهواء ليتمكّنوا من إلقاء نظرة على ما يحدث في الداخل. ورغم مهمتي الشاقة. ظللت أحدق كلما سنحت الفرصة بالطريقة الترابية التي تأتي من المدينة وتصب أمام بيتنا. وعندما تعب الأولاد من القفز والنطنطة قرروا الكفّ عن ذلك، والبحث عن لعبة جيدة، فتحلّقوا حول شجرة تين شاخت منذ زمن فسقطت أوراقها وبراعمها، وسقطت معظم أغصانها. ولم يبقى منها سوى هيكل يابس، تنشر عليه النساء الأيام المشمسة الطراريح واللحف والحصر الممزقة.

جاءت أخيراً يرافقها رجل مسنّ يلبس على رأسه طاقية (بيرية) زرقاء وبدلة كحلية قديمة، ويوحي مظهره بأنه من أولئك الأرمن الذين يبيعون ساندويشات البسطرمة والسجق.
كانت تلبس ثوباً أحمر وتضع على كتفيها شالاً من الصوف، وتصبغ شفتيها بالأحمر، وتبدو مهيأة للسهر والفرح. قالت: إنه أبي أوصلني وسيعود ليصطحبني إلى البيت فرفع الرجل طاقيته وانحنى. وفي الوقت نفسه عبرت الباب ودخلت بألفة كما لو أنها تعرف كل من في البيت. ركضت إلى أمي وأبلغتها عن وصول مدعوّتي، فقامت من بين النساء وأقبلت عليها، وأمسكت بذراعها وأوجدت لها مكاناً بالقرب من العروس.
وعندما عدت إلى موقعي في الخارج، كان الرجل العجوز يسير عائداً على مهل يحمل سيجارة بيد، ويدسّ الأخرى بجيبه، ويبدو كما لو أنه يدندن بلحن أو بأغنية.
ولأمر ما خطر ببالي أن ثمة وجه شبه بين شجرة التين المتشبثة بالبقاء وبين هذا الرجل.

اكتمل عدد المدعوّين فأغلقت الباب، وبصعوبة تسلّلت من بين النسوة، وصرت على العتبة وجهاً لوجه أمام انتصار التي ابتسمت لي، وكانت تحت تأثير تلك العاصفة من الفرح التي تهب في هذه اللحظات.

هل كبر الطفل سنوات كبيرة وارتفعت قامته إذ ذاك؟
ظلت المرأة السمينة التي صبغت وجهها بالمساحيق وبشكل فاقع تنقر على الطبلة بشراسة.

وفي الحلبة. كان بعض البنات يرقصن. واحدة رفيعة تتأوّد بعكس النغمة. وثانية حامل في الشهور الأولى ترقص بتثاقل وحذر. وثالثة صفراء الوجه وذابلة، ترقص مثل ذبابة انقلبت على ظهرها تئز وتئز بلا فائدة.
وتنتقل أم العروس بين المدعوات، وتدسّ بيد واحدة، جاءت منذ قليل صرّة حلوى، وتحكي مع امرأة ثانية وتبالغ في الترحيب، وتتمنى لجميع الحبايب البخت الأبيض.
وتوقفت المرأة المرأة السمينة فجأة عن النقر، وطالبت بتسخين الطبلة على ضوء المصباحلكي يشتد الجلد ويصبح أكثر تجاوباً. وبعد أن تم ذلك استعادت الطبلة مرة أخرى, وبدأت أصابعها الشيطانية تدق إيقاعاً صاخباً يمكن أن ترقص عليه أكثر العفاريت جنوناً. واقتربت أم العروس من انتصار وسحبتها إلى حلبة الرقص.

وقفت وسط الحلبة خجلى، فاحتقن وجهي، وما هي إلا لحظات حتى ألقت الشال جانباً وبدأت ترقص، فخرجت من الحلبة أولاً البنت الرفيعة، وتبعتها المرأة المرأة الحامل. أما المرأة الذبابة فقد شدّتها إحداهن من ذيل فستانها.

ظلت انتصار في الحلبة وحيدة. وكنت أحدق بها غير مصدق، وأنتقل إلى الوجوه لأرى كيف ينظرون إلى قمري ووردتي. وبدأت الأكف تصفق، وكان ذلك إيذاناً بالاعتراف لها بالمهارة. تحرّك قدميها بخفة. تحرك خصرها. تجدل يداها ضفائر الهواء. تثب كما لو كانت لبؤة وتتراجع كما لو تحوّلت إلى نسمة. تدور مثل زوبعة، ثم تتباطأ وتصبح فراشة. تصبح سلسلة وأنيسة. تصبح حمامة زاجلة.

وتعاود الهجوم والوثوب والشراسة، ويرتفع ايقاع الطبلة بضراوة، وتسخن الأكف، وتصبح الدماء حارة، وتصعد من هجومها وشراستها مثل موجة عاتية، ثم فجأة تنحسر وتتراجع .. تتلاشى كالرغوة. ويصبح لرقصها طعم الدمع. تتوقف وسط الحلبة. تواصل المرأة السمينة النقر على الطبلة بضراوة شديدة. وتأتي أم العروس، تستحلف انتصار برقصة أخرى. وعند ذلك تعاود انتصار الرقص وهي ترسم على وجهها تكشيرة دون أن تنظر إلى أحد. تدق قدماها الأرض بقسوة، وتهز جسدها بعنف ليس له مثيل، كأنما تطرد منه القهر. كأنما تلفظ منه الصدأ. ثم ترفع رأسها عالياً. وتشمخ. تتسلق جبال الصخب والوهم. ترعى خراف الغيوم. ثم تنتفض. بعنف. كأنما ذهبت السكرة وعادت الفكرة. فتبتسم إذ ذاك. تبتسم رغما عنها، وتهبط إلى أن تصبح ناعمة كقرارة الموجة. تتذكر أن عليها أن تُبسط الحاضرين، فتعاود الحركة مع الإيقاع. تتواصل وتمد جسوراً نحو البنات الشاحبات، والنساء السمينات، والعيون التي تفرح مرة واحدة في العام.
وتدور وتدوم ثم توقف.
وتأتي مرة أخرى أم العروس، وتستحلفها برقصة ثالثة. وهكذا....

آخر السهرة صرخت المرأة الحامل التي كانت ترقص معلنة أن إسوارتها الذهبية قد ضاعت. ثم صعّدت صراخها وغضبها، فشتمت ودعت بالكسر على اليد التي سرقتها من الحقيبة. وأخذت تولول. اغتمّت أم العروس، واغتمّت أمي، وبدأ جدل بين النساء. تحوّل الفرح إلى صمت. ثم إلى حزن.
وأخذت المرأة الحامل تتهم عشر نساء في وقت واحد. إذ ذاك، اقترحت أم العروس – حفاظاً على سمعتها وسمعة ابنتها وسمعة أصحاب البيت – تفتيش جميع المدعوات.
ولم تعترض أي منهن على هذا الإجراء المهين.
وهكذا تعين على كل امرأة أن تخضع لتفيش المرأة الحامل.
كنت أبتلع المهانة قرصاً قرصاً، وكلما تم تفتيش واحدة كنت أشعر كما لو أن أحداً يكشف عن عورتي.
وعندما أتى دور انتصار خطر لي أن أندفع وأطرح المرأة الحامل أرضاً وأدوس على رأسها، ولكني لم أفعل. بدأت عملية التفتيش. مدت يديها إلى الصدر ثم إلى الخصر ثم طلبت منها أن تخلع الحذاء.
وفجأة أمسكت المرأة الحامل الحقيبة وصرخت بصوت عال:
- وجدتها.. مال الحلال لا يضيع.
ثم أمسكت انتصار من شعرها وواصلت الصراخ:
- هذه المرأة حرامية سرّاقة.. لقد جاءت من خارج مخيّمنا هذه النورية لكي تسرق أساورنا.. انظروا . إسوارتي في حقيبتها.
وأحاط النساء بانتصار ينظرن إلى الإسوارة بدهشة. قالت انتصار بضعف: إنها إسوارتي.. أشتريتها من عرق جبيني.
ثم نظرت إليّ .. أحسست بالخوف. وهززت رأسي أعلن لها أنني أصدقها. وكنت أشعر أنهم يقتلعون شعري. جاءت أم العروس، وفكّت شعر انتصار من يد المرأة الحامل، وسحبتها إلى الخارج.
وكانت انتصار وسط الضجيج تقول بيأس:
- إنها إسوارتي..لقد اشتريتها من عرق جبيني. إلاّ أن العروس دفعتها إلى الخارج وأغلقت البوابة وعادت وهي تقول:
- الحمد لله .. .لقد ظهرت السرقة والحمد لله أن الحرامية ليست منا. وقبلت المرأة الحامل من خدّيها، وأعادتها إلى الكرسي الذي كانت تجلس عليه. وأحضرت لها صرّة ثانية من الحلوى، وحاولت أن تعيد الجو إلى ما كانت عليه. وطلبت من أمي أن تطلق زغرودة.
وعندما فعلت أمي ذلك كانت زغرودتها شاحبة ومجروحة.
وفي الخارج، صارت انتصار خلف ذلك الرجل العجوز الذي كان ينتظرها بالقرب من شجرة التين العجفاء.. ثم ابتلعتهما العتمة.

جاء العريس وأخذ عروسه. انصرفت النساء وذهبت أم العروس إلى بيتها دون أن تتعشى الرز واللحم المسلوق. وظلت الكراسي الفارغة والنفايات تملأ الغرفة. وكان الشال الصوفي الأبيض ملقى على أحد الكراسي مثل ورقة سقطت من وردة بيضاء. وقد تركت أمي كل شيء على حاله حتى الصباح.

وقبل أن نأوي إلى فراشنا في الغرفة الثانية، شاهدت في عينيّ أمّي دمعتين (أتخيلهما الآن وبعد تلك السنوات الطويلة، أتخيّلهما بلون الكريستال). وقالت كأنما تخاطب نفسها:
قطيعة تقطعنا.. لا نفرح ولا يليق بنا الفرح.

عند الفجر. ربما قبل الأذان. طُرق باب بيتنا بشدة. استيقظت أمي (أما أنا فقد كنت عاجزاً على الاغفاء). لبست أمي غطاء رأسها وقامت ففتحت الباب. دخلت المرأة الحامل.
المرأة الكريهة . استقبلتها أمي بتحفظ ووجوم. ثم دعتها إلى الدخول. جلست المرأة الحامل أمامنا مطرقة. منكسرة. ثم انفجرت بالبكاء.
وعند ذلك تخلت أمي عن وجومها.
قالت المرأة وهي ما تزال تبكي:
- لقد ظلمت تلك الفتاة ليلة أمس، فعندما عدت إلى البيت وجدت إسوارتي في دُرج الخزانة.
توقفت لحظة وهي تنشج وتابعت:
- أنظري يا خالة.. هذه إسوارتي وهذه إسوارتها.. إنهما متشابهتان.. أليس كذلك؟
فأطرقت أمي، وارتسم على وجهها حزن جليل.
لعلها كانت تحزن للمرأتين في وقت واحد.
نظرت المرأة الحامل إليّ وقالت:
- هذه إسوارة الفتاة التي تشتغل معك في المعمل أعدها إليها، وقل لها أنني مستعدة أن أقبّل يديها ورجليها.. أنني أطلب منها المغفرة ..أنا امرأة حامل ولا أستطيع أن أتحمّل دعوة مظلوم.
طيبت أمي خاطرها، وصنعت لها فنجان قهوة. وكانت الإسورة أمامي على الفراش مثل قنبلة ستنفجر بين لحظة وأخرى.
لماذا صمتت انتصار.. لماذا لم تهد الجبال وتزلزل أركان الدنيا..

في الصباح التالي. الصباح الأخير. صباح اللحظات الصعبة، من النحاس أو الصلب، المجدولة كحلقات الجنزير.
وفي الصباح الأخيرة حملت زوّادتي والشال الأبيض وتلك الإسوارة التي لا تليق إلا بمعصم امرأة من فصيلة الورد. ومشيت وأنا أحاذر ألا أنقسم إلى نصفين.. ووصلت باب المعمل.
كان الباب مغلقاً على غير عادة. طرقت الباب مرة أو مرتين. فُتح الباب وأطلّ رجل لا أعرفه، ووضح من الطريقة التي تكلّم بها معي أنه حارس جديد. كانت أصابعه كبيرة مثل أظلاف البقرة. ماذا تريد.أنا أعمل هنا. انتظرت. أحسست أن شيئاً يجري في الداخل. لا أدري لماذا شعرت أنهم يذبحون عجلاً وينتظرون أن يفرغوا من سلخه قبل أن يفتحوا لي. عندما فتح الباب وأدخلني كان المنظر يبعث على الرهبة. والحارس يمسك بيده عصا خيزران. الحارس الآخر.الحارس الثالث.. . كلّهم جدد.
العمال يقفون جميعاً مثلما نفعل في المدرسة لدى دخول المعلم. وهناك عالياً.. عالياً يقف الرجل الثور، ويحمل قضيباً من الحديد.

عندما دخلت تحولت الأنظار الي. لم يخاطبني أحد. لم يلتفت الرجل الثور.
الحارس – أحد الحرس الجدد – رمقني بنظرة صارمة (ربما خطر له أنني لست ندّاً له). مشيت خطوات ووقفت في مكاني المخصص.. بجانبها تماماً. لم أجرؤ على النظر إليها. لم تكلمني. ظل الصمت مرعباً. العمال يقفون. الرجل الثور يتأهب. أين كان، متى عاد، وماذا يحدث؟
قال الرجل الثور: فلا أحد يريد أن يعترف؟
ماذا كان يريد أن يعرف. وماذا تعني هذه المحاكمة؟
وعند ذلك نادى على الحارس القديم، ذلك الذي فقد شخصيته منذ زمن ولم يعد يأبه به أحد. كان الرج الثور يسأله عمن فعل ذلك بأكياس السكر. وقف الحارس الذي كان يظن نفسه مهما. وقف يرتجف. أدرت وجهي، ونظرت إلى انتصار. كان وجهها صامتاً. فجّاً. جامداً. فقد كل ما كان يتمتع به ليلة أمس من حيوية. صرخ الرجل الثور بصوت يشي بالجنون: أيها الخائن. ثم رفع قضيب الحديد عالياً وأهوى بيه على رأس الحارس... على أمّ رأسه، فترنح. زاغت عيناه وزاغت عيوننا. ثم سقط.

العرق الغزير. العروق الحمراء والخضراء. الدم الذي يفور. القلب الذي ينطّ في الصدر كما تنطّ الضفادع. الصدر الذي يعلو ويهبط. كل الاحتمالات واردة بما فيها استعمال الأسنان.

وفجأة تقدم صابر بضع خطوات. صابر الوسيم، الطري كعروق النعنع. تقدم بوجهه الشاحب، وشعره الغزير العالي، وترك زوّادته وراءه.
مشى. وقف. مشى، هل ارتجف؟
وصرخ به الرجل الثور الذي ما زال يفقد السيطرة:
إذن أنت الذي فعل ذلك يا ابن الكلبة.
كيف رفع الرجل الثور القضيب عالياً. كيف أهوي به على الكتف الأيمن. كيف صدرت الآي المكتومة. كيف ترنّح وترنّح صابر.. ثم سقط.
وإذ ذاك. ألقت انتصار بالكيس الذي كانت تضع فيه الزوّادة أو لعلّه سقط من يدها.
كنت أحدّق بانفجارها. هزّت نفسها بعنف، وارتجف وجهها غضباً. اهتزّ أنفها: اهتزّ صدرها. انتثرت كأنما تحوّل نفسها إلى شظايا. ثم تجمعت. كأنما تضم زرد غضبها إلى بعضه البعض. تقدمت خطوة، فخطوة،فثالثة...
وصرخت فجأة. صرخ القهر والوجع النائم في قلب الحجارة. كيف ينطق الجماد؟
وأنشبت أظافرها وغرزتها في وجهه.
توجع الرجل الثور. فوجئ. صاح. هجم عدد من الحرس الجدد وشدّوها إلى الخلف. شدّوا شعرها الطويل، فبصقت في وجوههم بينما كان الحقد يحول وجهها إلى حجارة من الصوّان تهبط من علٍ وتتصادم ببعضها البعض.
شدّها الحرس من شعرها وأبعدوها.
بصقت وبصقت. وشتمتهم بكل الشتائم التي يحفظها أهالي بيت التنك. وظل صوتها يقترب وهو يبتعد، فتسللت من بين الصفوف وانطلقت خلفها. ألقوا بها خارج الباب النحاسي.

مشينا معاً. كانت صامتة. بكت. ثم صمتت. ظل شعرها منفوشاً. ظلت عينتاها تجحظان. لم أجرؤ على التحدث. لم أجرؤ على أن أتقدمها.
لماذا صمتت انتصار أمس. لماذا لم تهدّ الجبال. لماذا لم تزلزل الدنيا؟
عند مفترق الطريق. عند التشعب وقفت تسوّي شعرها، ثم نظرت إليّ كأنما تريد أن تقول بأنه يتعيّن علينا أن نفترق.
امتلأ الفضاء كله بالفراغ، وأصبح الكون صغيراً. ناولتها الإسوارة والشال الأبيض.
وضعت الإسوارة بيدها دون أن تظهر دهشة. ثم ألقت بالشال على كتفيها، ومدت لي يدها، (ذلك العصفور الساخن الذي ينبض في كفي) ثم سحبتها، وأدارت لي ظهرها.. وراحت.

وعندما عد إلى المخيم، في ذلك الصباح الأخير، الصباح المصنوع من النحاس، كان الناس قد انتشروا بحثاً عن الرزق.
ولم يكن سوى الأطفال والأرامل يتشمّسون أمام عتبات البيوت.
وفي الساحة الصغيرة، كانت شجرة التين اليابسة ما تزال تتشبث بالبقاء، وكانت امرأة مسنّة تنشر على أغضانها التي تشبه القرون غيارات طفل رضيع.